الدُّكْتُورُ تَحْرِيرُ طٰهَ عَبْدِ الْإِلٰهِ الْعَامِرِيِّ
أكاديمي عراقي
باحث ومؤلف في العقيدة والفكر الإسلامي، وأديب وروائي
ما الذي نريده لأبنائنا: شهادةً تزيّن ملفاتهم الدراسية، أم علمًا ينير عقولهم ويؤهلهم لمواجهة الحياة؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف عن مشكلة تربوية أخذت تتسع حين أصبح النجاح الدراسي، لدى بعض الأسر، غايةً لا تقبل النقاش، بصرف النظر عن مستوى الطالب وما يمتلكه من معرفة تؤهله لاجتياز مرحلته الدراسية.
فما إن تقترب الامتحانات أو تُعلن النتائج حتى ترتفع أصوات بعض أولياء الأمور مطالبةً بنجاح أبنائهم، من دون أن يتوقفوا طويلًا أمام سؤال جوهري: هل تعلّم أبناؤنا فعلًا ما كان ينبغي لهم أن يتعلموه؟ وهل يمتلكون من المعارف والمهارات ما يؤهلهم للانتقال إلى مرحلة دراسية جديدة؟ أم أن المهم هو الحصول على درجة النجاح، حتى لو بقيت العقول فارغةً من العلم الذي يُفترض أن تمثله تلك الدرجة؟
إن المشكلة ليست في رغبة الآباء في نجاح أبنائهم؛ فذلك أمر طبيعي ومشروع، وإنما في أن تتحول هذه الرغبة إلى ضغط على المعلم والمؤسسة التعليمية لمنح النجاح حتى عندما لا يمتلك الطالب الحد الأدنى من المؤهلات العلمية المطلوبة، وهنا يصبح النجاح مجرد رقم في سجل الدرجات، وتتحول الشهادة من وثيقة يُفترض أن تعكس تحصيلًا علميًّا إلى غاية مستقلة عن المعرفة.
فالنجاح الذي لا يستند إلى العلم قد يُرضي الأسرة مؤقتًا، لكنه لا يبني مستقبل الطالب.
العلم شرط النجاح، والثقافة أفق أوسع
من الضروري أن نميّز بين العلم والثقافة والنجاح؛ فهذه مفاهيم مترابطة، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
العلم، في المجال الدراسي، هو ما يكتسبه الطالب من معارف ومهارات في المواد التي يدرسها، وما يحققه من كفايات تؤهله للانتقال إلى المرحلة التالية، أما الثقافة، فهي أوسع من ذلك؛ إذ تشمل حصيلة الإنسان الفكرية والأدبية والاجتماعية، واتساع مداركه، وقدرته على فهم الحياة والتفاعل الواعي مع المجتمع، وأما النجاح، فينبغي أن يكون نتيجةً لاكتساب المعرفة المطلوبة وتحقيق المعايير التعليمية المحددة، لا مجرد انتقال شكلي من صف إلى آخر.
وليس مطلوبًا من كل طالب أن يكون موسوعةً ثقافية، أو ملمًّا بمختلف العلوم والآداب والفنون حتى يستحق النجاح، فقد يكون الطالب محدود الثقافة العامة، لكنه يمتلك العلم الكافي في مجال دراسته، ويفهم مواده، ويحقق متطلباتها، وهذا ما ينبغي أن يُبنى عليه تقييمه.
وفي المقابل، قد يكون الإنسان واسع الثقافة، كثير الاطلاع، لكنه لا يمتلك المعرفة التخصصية التي تؤهله لاجتياز امتحان في مجال معين، ولذلك لا يصح الخلط بين المفهومين، كما لا يصح جعل الثقافة العامة شرطًا للنجاح في كل مادة دراسية.
إن المطلوب من الطالب ليس أن يعرف كل شيء، وإنما أن يعرف ما ينبغي له أن يعرفه في مرحلته الدراسية، وأن يمتلك الأساس العلمي الذي يساعده على مواصلة التعلم. أما الثقافة، فينبغي أن تشجعه الأسرة والمدرسة على اكتسابها وتنميتها، بوصفها رافدًا مهمًّا لبناء الشخصية، لا بديلًا عن التحصيل العلمي.
ماذا يقول القرآن الكريم عن العلم والمسؤولية؟
لقد رفع القرآن الكريم منزلة العلم، وجعل المعرفة أساسًا للتمييز بين من يعلم ومن لا يعلم، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، إن هذا الاستفهام القرآني يقرر حقيقة واضحة: أن العلم ليس مظهرًا شكليًّا، وأن من يمتلك المعرفة ليس كمن يفتقر إليها، وإذا كان القرآن الكريم قد قرر هذا التمايز، فكيف نقبل أن تتقدم الشهادة على العلم، وأن يصبح الحصول على النجاح أهم من امتلاك المعرفة التي يفترض أن تدل عليها الشهادة؟
وقال تعالى مخاطبًا نبيه سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114)،وفي هذه الآية توجيه إلى طلب الزيادة في العلم، بما يعزز قيمة التعلم المستمر والسعي إلى المعرفة، ومن هنا، فإن مسؤولية الأسرة لا ينبغي أن تنحصر في متابعة درجات أبنائها، بل يجب أن تمتد إلى غرس حب التعلم في نفوسهم، وتشجيعهم على القراءة والفهم والسؤال، وتعويدهم على أن المعرفة هي المكسب الحقيقي الذي يبقى معهم بعد انتهاء الامتحانات.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ (النجم: 39-40)،والآيتان تتحدثان في سياقهما عن سعي الإنسان ومسؤوليته عن عمله، ويمكن الاستئناس بهما في التأكيد على قيمة الجهد وتحمل المسؤولية، فالنجاح الدراسي لا ينبغي أن يكون مطلبًا منفصلًا عن السعي إليه، ولا يصح أن نطالب بالنتيجة مع إهمال الأسباب التي تقود إليها.
ولا يعني ذلك أن الطالب الذي يبذل جهدًا ولم يحقق النتيجة المطلوبة يُترك لمصيره، بل ينبغي مساعدته ومعرفة أسباب تعثره، لكن المساعدة الحقيقية تكون بالتعليم والتوجيه والمعالجة، لا بإخفاء ضعفه أو منحه نجاحًا لا يعكس مستواه.
حين يتحول حرص الأهل إلى ضغط على المعلم
إن من أكثر المشكلات التي تواجه البيئة التعليمية أن بعض أولياء الأمور لا ينظرون إلى الرسوب بوصفه مؤشرًا يستدعي البحث عن أسباب الضعف، بل يعدّونه أمرًا ينبغي منعه بأي وسيلة، وقد يبدأ الأمر باعتراض على درجة، ثم يتطور إلى مطالبة المعلم بتغيير النتيجة، أو الضغط على إدارة المدرسة من أجل إنجاح الطالب، حتى إن لم يحقق المتطلبات العلمية اللازمة.
وفي مثل هذه الحالات، يُوضَع المعلم أمام معادلة غير عادلة: إما أن يلتزم بمستوى الطالب الحقيقي ومعايير التقييم، وإما أن يخضع لضغوط أسرية قد لا يكون لها أي أساس علمي أو تربوي.
وهنا لا بد من توجيه سؤال إلى بعض أولياء الأمور: إذا كنتم تطالبون المعلم بإنجاح أبنائكم، فهل طالبتم أبناءكم بأداء واجباتهم؟ وهل تابعتم تحصيلهم طوال العام الدراسي؟ وهل سألتم عن مواطن ضعفهم قبل موعد الامتحانات؟ أم أنكم لا تتذكرون مسؤوليتكم إلا حين تظهر النتائج؟
إن الأسرة التي تهمل متابعة ابنها، ثم تطالب بنجاحه عند نهاية العام، لا تعالج المشكلة، بل تحاول تجاوز نتيجتها، والأشد خطورةً أن يترسخ في ذهن الطالب أن النجاح يمكن الحصول عليه عن طريق الضغط والاعتراض، لا عن طريق التعلم والاجتهاد.
ولا يجوز، في المقابل، أن نضع جميع أولياء الأمور في موضع الاتهام؛ فمن حق الأسرة أن تعترض على التقييم غير العادل، وأن تطالب بالتحقق من الدرجات، وأن تدافع عن ابنها إذا تعرض للظلم،لكن ثمة فرقًا واضحًا بين المطالبة بالإنصاف والمطالبة بنجاح لا يستحقه الطالب، وبين محاسبة المؤسسة التعليمية على تقصيرها والضغط عليها لتجاوز معاييرها، فالرسول صلى الله عليه وسلميقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه)، وهذا الحديث الشريف يضع المسؤولية في موضعها الصحيح؛ فالأسرة مسؤولة عن التربية والمتابعة، والمعلم مسؤول عن التعليم والتقويم، وإدارة المدرسة مسؤولة عن عدالة الإجراءات، والطالب مسؤول عن التعلم والاجتهاد بحسب قدرته وظروفه، ولا يجوز أن يتخلى أي طرف عن مسؤوليته ثم يحمّل الطرف الآخر وحده تبعات النتيجة، فليس من العدل أن تُهمِل الأسرة متابعة أبنائها، ثم تتهم المعلم بالتقصير عندما يرسبون، كما ليس من العدل أن يتذرع المعلم بضعف الطالب من دون أن يؤدي واجبه في الشرح والتوجيه ومحاولة معالجة مواطن الضعف.
إن العملية التعليمية مسؤولية مشتركة، ولا يمكن أن تنجح إذا تحولت العلاقة بين الأسرة والمدرسة إلى ساحة للاتهامات المتبادلة، أو إذا أصبح الهدف إرضاء ولي الأمر بدلًا من تحقيق مصلحة الطالب العلمية والتربوية.
هل النجاح الشكلي رحمة بالأبناء؟
قد يظن بعض الآباء أن إنجاح أبنائهم، مهما كان مستواهم، نوع من الرحمة بهم، وأن تجنيبهم الرسوب يحميهم من الإحباط أو الشعور بالنقص أمام زملائهم، لكن الرحمة الحقيقية لا تعني إبعاد الإنسان عن كل نتيجة تترتب على تقصيره، وإنما تعني مساعدته على فهم مشكلته وتجاوزها، إن الطالب الذي ينتقل إلى مرحلة جديدة من دون أن يمتلك أساسيات المرحلة السابقة قد يجد نفسه أمام مواد أكثر صعوبة ومتطلبات أكبر من قدراته الحالية،ومع تراكم الفجوات العلمية، قد يصبح التعلم أكثر مشقةً، ويضعف اعتماد الطالب على نفسه، وتتراجع ثقته بقدرته على الفهم والإنجاز.
ثم تأتي المرحلة الجامعية أو الحياة العملية لتكشف ما لم تستطع درجات النجاح إخفاءه؛ فهناك لا تكفي الشهادة وحدها لإنجاز مهمة أو حل مشكلة أو ممارسة تخصص، وإنما تظهر قيمة ما يمتلكه الإنسان من علم ومهارة وقدرة على التطبيق.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن غَشَّنا فليس مِنَّا» (رواه مسلم)، ففي الحديث الشريف تحذير واضح من الغش، ولا يصح أن نعدّ كل تدخل من ولي الأمر غشًّا، لكن ما يتضمنه من رفض للخداع وإظهار الأمور على غير حقيقتها يذكّرنا بضرورة المحافظة على الأمانة في التعليم والتقييم،فإذا جرى التلاعب بالدرجات أو تجاوز معايير التقويم عمدًا لإظهار الطالب بمستوى لا يمتلكه، فإن ذلك يضر بنزاهة العملية التعليمية، ويجعل الشهادة تعطي انطباعًا لا يطابق الواقع.
فالطالب لا يستفيد من نجاح يخفي ضعفه، بل يستفيد من تعليم يكشف مواطن النقص ويعينه على تجاوزها.
لا نقدّس الرسوب، ولا نمنح النجاح بلا استحقاق
ليس المقصود من هذا الحديث عن النجاح أن نجعل الرسوب غايةً تربوية، أو أن ندافع عن التشدد في تقييم الطلاب، أو أن نحمّل الطالب وحده مسؤولية كل إخفاق، فقد يكون الضعف نتيجة قصور في طرائق التدريس، أو ظروف أسرية ونفسية وصحية، أو صعوبات تعلم تحتاج إلى أساليب خاصة في التعامل معها، ولذلك، فإن واجب المدرسة أن تبحث عن أسباب التعثر، وأن توفر فرصًا عادلة للتعلم والتقويم، وأن تشرح لأولياء الأمور المعايير التي تستند إليها في تحديد النتائج، كما أن واجب الأسرة أن تتعاون مع المدرسة، وأن تساعد ابنها على تجاوز ضعفه بدلًا من الاكتفاء بالمطالبة بتغيير درجته.
فإذا كان الطالب قد تعرض لظلم، وجب إنصافه،وإذا كان قد بذل جهدًا ويحتاج إلى دعم إضافي، وجب مساعدته وفق الأنظمة المعتمدة، أما إذا لم يحقق الحد المطلوب من المعرفة، فإن الحل ليس في منحه نجاحًا شكليًّا، بل في تمكينه من التعلم واستكمال ما فاته.
إن العدالة التعليمية لا تعني أن ينجح الجميع مهما كانت مستوياتهم، كما لا تعني أن يرسب كل من تعثر؛ بل تعني أن يحصل كل طالب على تعليم جيد، وفرصة منصفة، وتقييم صادق، ودعم يناسب حاجته.
أي مستقبل نريد لأبنائنا؟
إن المجتمع الذي يحتفي بالشهادات أكثر من احتفائه بالعلم قد يراكم الوثائق، لكنه لا يضمن بناء الكفاءات، وحين يصبح عدد الناجحين أهم من مستوى ما تعلموه، تفقد النتائج جانبًا من قيمتها، ويصبح من الصعب التمييز بين من اجتهد واكتسب المعرفة، ومن انتقل بين المراحل من دون أن يمتلك أدواتها.
ولا يمكن أن نطالب أبناءنا بأن يكونوا علماء في كل مجال، ولا أن نحمّلهم مسؤولية الإلمام بكل ألوان الثقافة الإنسانية، لكن من حق المجتمع عليهم أن يتعلموا ما تؤهلهم له مراحلهم الدراسية، وأن يحملوا من المعرفة ما يساعدهم على مواصلة تعليمهم وأداء أدوارهم في الحياة.
أما الثقافة العامة، فهي مسؤولية تتكامل فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية؛ إذ ينبغي أن نفتح أمام أبنائنا أبواب القراءة والحوار والتفكير، وأن نشجعهم على الاطلاع على الآداب والعلوم وشؤون المجتمع. فالعلم يمنح الإنسان التأهيل في مجاله، والثقافة توسع أفقه، والأخلاق توجه استخدامه لما تعلمه.
إن الأسرة الواعية لا تسأل عن درجة ابنها وحدها، بل تسأل عما فهمه وما اكتسبه من مهارات، ولا ترى في تعثره فضيحةً ينبغي إخفاؤها، بل مشكلةً ينبغي علاجها، وهي لا تطالب المعلم بأن يمنح ابنها نجاحًا لم يحققه، وإنما تطالبه بأن يعلمه وينصفه ويمنحه فرصةً حقيقية للتقدم.
إن نجاح الأبناء لا يُقاس بما يُكتب في سجلات الدرجات وحدها، بل بما يستقر في عقولهم من معرفة، وما يكتسبونه من مهارات، وما يصبحون قادرين على إنجازه بأنفسهم.
فلا تطالبوا أبناءكم بالنجاح قبل أن تطالبوهم بالتعلم، ولا تجعلوا الشهادة غايةً تنفصل عن العلم، ولا تحوّلوا المعلم إلى خصم لمجرد أنه كشف مستوىً لا ترغبون في رؤيته.
طالبوا بتعليم جيد، وتقويم عادل، ومناهج فاعلة، ومعلمين يؤدون واجبهم، ومدارس تعالج مواطن الضعف، وطالبوا أبناءكم بالاجتهاد وتحمل المسؤولية، وكونوا عونًا لهم حين يتعثرون، لا وسيلةً لتجاوز متطلبات التعلم.
فالمأساة ليست أن يرسب الطالب في امتحان، بل أن ينجح في جميع الامتحانات، ثم يكتشف أنه لم يتعلم ما يكفي لمواجهة الحياة. تلك هي اللحظة التي تنجح فيها الشهادة، ويرسب العلم.

Post a Comment