العربية
English
کوردی
عاجل
جاري تحميل الأخبار...

أربع وزارات جديدة في زمن العجز المالي.. من يوقف نزيف المال العام؟

بقلم: جاسم الجيزاني

في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة العراقية عن وجود عجز في الموازنة العامة، وتتجه إلى رفع سعر صرف الدولار وما يرافق ذلك من أعباء اقتصادية ومعيشية تثقل كاهل المواطنين، يبرز تساؤل جوهري بشأن جدوى استحداث أربع وزارات جديدة، وما يترتب على هذه الخطوة من أعباء مالية وإدارية إضافية على خزينة الدولة.

فالعراق، الذي يواجه تحديات اقتصادية متراكمة، ويعاني من ضغوط مالية وتراجع في القدرة الشرائية للمواطنين، ليس بحاجة إلى توسيع الجهاز الحكومي بقدر حاجته إلى ترشيد الإنفاق، وإعادة النظر في بنية المؤسسات، وتوجيه الموارد المتاحة نحو القطاعات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الخدمات والصحة والتعليم والكهرباء والماء وفرص العمل.

إن استحداث أربع وزارات جديدة لا يعني مجرد إضافة عناوين إدارية إلى الهيكل الحكومي، بل يترتب عليه إنشاء مؤسسات تحتاج إلى مقار وموازنات تشغيلية ومخصصات مالية، فضلًا عن رواتب الوزراء ووكلاء الوزارات والمديرين العامين والموظفين، ونفقات الحماية والنقل والضيافة والسفر والإيفاد، وغيرها من الامتيازات والمصروفات التي قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى التزامات مالية دائمة تستنزف موارد الدولة.

وهنا يحق للمواطن أن يسأل: كيف تعلن الحكومة عن عجز في الموازنة، وتتحدث عن ضرورة اتخاذ إجراءات مالية صعبة، ثم تتجه في الوقت نفسه إلى استحداث وزارات جديدة، بما تحمله من أعباء إضافية؟ وأين تكمن الأولوية: في تقليص النفقات غير الضرورية أم في توسيع المؤسسات الحكومية وزيادة كلفتها؟

## المحاصصة السياسية على حساب المصلحة العامة

إن جوهر المشكلة لا يكمن في عدد الوزارات وحده، بل في طبيعة النظام السياسي الذي قد تتحول فيه المناصب الحكومية إلى حصص تفاوضية بين الكتل والأحزاب، بدلًا من أن تكون مواقع للمسؤولية والكفاءة والخدمة العامة.

وعندما تصبح المناصب الوزارية جزءًا من التفاهمات السياسية، يبرز التخوف من أن يكون استحداث الوزارات وسيلة لإرضاء القوى المتنفذة، وتوزيع المناصب والامتيازات، بدلًا من الاستجابة إلى حاجة حقيقية تفرضها المصلحة الوطنية.

إن المواطن العراقي الذي ينتظر تحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، ومعالجة أزمة السكن، ومكافحة الفقر، لا يريد أن يرى مؤسسات جديدة تُضاف إلى مؤسسات قائمة من دون إعلان واضح عن ضرورتها، أو تقديم دراسة اقتصادية وإدارية تبرر كلفتها والعائد المتوقع منها.

كما أن توسيع الهيكل الحكومي قد يؤدي إلى تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القرار، الأمر الذي يضعف المساءلة ويجعل تحديد المسؤولية عن الإخفاق أكثر صعوبة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى إدارة رشيقة وفاعلة، لا إلى المزيد من التعقيد الإداري.

## المال العام ليس غنيمة سياسية

إن المال العام أمانة في أعناق المسؤولين، وليس موردًا مفتوحًا لتسوية الخلافات السياسية أو مكافأة الحلفاء وتوزيع المناصب. ومن واجب الحكومة أن تقدم للمواطنين تفسيرًا واضحًا لأي قرار يترتب عليه إنفاق إضافي، وأن تثبت أن هذا الإنفاق ضروري، وأن نتائجه تستحق ما سيُصرف عليه.

ومن هنا، فإن استحداث الوزارات الجديدة ينبغي أن يخضع لمعايير واضحة، في مقدمتها الحاجة الفعلية، والجدوى الاقتصادية، وتحديد الكلفة السنوية، وبيان مصادر التمويل، وتوضيح ما إذا كانت هناك مؤسسات قائمة تستطيع أداء المهام نفسها من دون إنشاء تشكيلات جديدة.

كما أن من الضروري نشر تقديرات الكلفة التشغيلية لهذه الوزارات، بما يشمل رواتب الدرجات العليا والمخصصات الإدارية والنفقات اللوجستية، وإخضاعها للرقابة المالية والبرلمانية، حتى لا تتحول النفقات الصغيرة المتكررة إلى أبواب واسعة للهدر.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي من دون مراجعة الامتيازات والمخصصات، وتقليص النفقات غير الضرورية، ومحاسبة المقصرين، وتعزيز دور الأجهزة الرقابية في كشف مواطن الخلل، بعيدًا عن الانتقائية أو الحماية السياسية.

## المواطن يدفع الثمن.. فمن يحاسب المسؤول؟

في كل مرة تُطرح فيها إجراءات مالية تمس حياة المواطنين، من ارتفاع الأسعار إلى تقليص الإنفاق أو تغيير سعر الصرف، يصبح من حق الشارع أن يطالب الحكومة بالعدالة في توزيع الأعباء. فلا يجوز أن يُطلب من المواطن تحمّل نتائج الأزمة المالية، بينما تستمر النفقات الحكومية غير الضرورية وتتوسع الامتيازات المرتبطة بالمناصب.

إن معالجة العجز المالي لا تبدأ بتحميل محدودي الدخل أعباء إضافية، بل تبدأ بمراجعة أولويات الإنفاق، ومكافحة الفساد، والحد من الهدر، وتحسين إدارة الإيرادات، وتنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد المفرط على النفط.

كما أن استحداث أي وزارة جديدة يجب ألا يكون قرارًا سياسيًا مغلقًا، بل قرارًا معللًا ومعلنًا يخضع للنقاش العام، مع نشر دراسة تبين الحاجة إليها وكلفتها ومردودها على الخدمات والإنتاج والإدارة.

## كلمة أخيرة

إن العراق لا يعاني من نقص في الوزارات والعناوين الإدارية بقدر ما يعاني من الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر فاعلية، ومحاسبة لا تستثني أحدًا. وإذا كانت الحكومة جادة في مواجهة العجز المالي، فعليها أن تبدأ بنفسها، وأن تقدم نموذجًا في ترشيد الإنفاق قبل أن تطلب من المواطنين تحمّل المزيد من الأعباء.

أما إذا تحولت الوزارات والمناصب إلى أدوات للمحاصصة وإرضاء رؤساء الكتل السياسية، فإن الخاسر الأول والأخير سيكون المواطن، الذي يدفع من دخله ومعيشته ثمن قرارات لم يكن شريكًا في صنعها.

وبين تضخم الجهاز الحكومي، وتعدد الامتيازات، واستمرار الأزمات الاقتصادية، يبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابة واضحة عنه: هل تُستحدث الوزارات لخدمة الدولة والمواطن، أم لتوسيع دائرة النفوذ السياسي على حساب المال العام؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكون بالتصريحات، بل بالشفافية، والأرقام المعلنة، والرقابة الفاعلة، والقرارات التي تضع مصلحة العراق فوق مصالح الأحزاب والكتل السياسية.

تعليق

Previous Post Next Post

Disqus Shortname

sigma-2

ارسل لنا تعليق

[blogger][disqus][facebook]