العربية
English
کوردی
عاجل
جاري تحميل الأخبار...

المنصب أمانة والادارة فن


رئيس التحرير

قد يطرح البعض سؤالاً مشروعاً كيف تولى الدكتور عباس العنبوري موقع وكيل وزارة الخارجية في ظل وجود قانون خاص ينظم عمل الوزارة هو قانون الخدمة الخارجية رقم 45لسنة 2008

والسؤال القانوني يبقى جديراً بالنقاش لأن دولة المؤسسات لا يمكن أن تُدار بعيداً عن النصوص النافذة ولأن احترام القانون هو الأساس الذي تستقيم عليه الإدارة العامة لكن إدارة الدولة لا تقوم على القراءة المجردة للنصوص وحدها وإنما تحتاج كذلك الى فهم حاجات المؤسسة وحسن اختيار الكفاءات والقدرة على تحقيق المصلحة العامة ضمن الأطر القانونية السليمة

وهنا يظهر الفرق بين من ينظر الى الادارة باعتبارها مجموعة أوامر وتواقيع وبين من يدرك أن الادارة فن قبل أن تكون منصباً

والدكتور عباس العنبوري من الشخصيات التي يمكن النظر الى تجربتها من هذه الزاوية

فوزارة الخارجية ليست مؤسسة اعتيادية بل واحدة من أهم واجهات الدولة العراقية إنها المؤسسة التي تحمل اسم العراق خارج حدوده وتدير شبكة واسعة من السفارات والبعثات والقنصليات وتتعامل مع ملفات سياسية وإدارية وفنية ومالية تحتاج الى قدر كبير من الحكمة والدقة والانضباط

ومثل هذه المؤسسة تحتاج الى مسؤول يعرف أن القرار ليس انفعالاً وأن الادارة ليست استعراضاً وأن الحكمة في كثير من الأحيان أهم من السرعة

لقد أثبتت تجارب الدول أن المسؤول الناجح ليس من يتخذ أكبر عدد من القرارات بل من يعرف متى يتخذ القرار وكيف يتخذه وما النتائج التي ستترتب عليه وهذا جوهر الفن الاداري

فكل قرار ناجح يجب أن تسبقه دراسة وكل خطوة أن تسبقها رؤيةوكل مسؤول مطالب بأن ينظر الى ما بعد القرار لا الى لحظة صدوره فقط

وفي هذا الجانب تحديداً يبرز الدكتور عباس العنبوري بشخصية إدارية تتسم بالهدوء والتروي والقدرة على التعامل مع الملفات الحساسة بحكمة وهي صفات تحتاج اليها مؤسسات الدولة اليوم أكثر من أي وقت مضى

فالبلد يمر بظروف اقتصادية تتطلب إعادة النظر في الكثير من أساليب الإدارة والإنفاق، وتحتاج الى مسؤولين يدركون قيمة المال العام ويعرفون أن كل دينار يخرج من خزينة الدولة هو أمانة في أعناق من يتولى المسؤولية

ومن هنا فان الإدارة المالية الرشيدة وترشيد الانفاق ووضع الأولويات وعدم التسرع في القرارات كلها لم تعد مجرد إجراءات إدارية بل أصبحت جزءاً من المسؤولية الوطنية

والدكتور عباس العنبوري بما يمتلكه من خبرة إدارية ونهج يقوم على الهدوء والتخطيط يمثل انموذجاً يمكن أن يسهم في ترسيخ هذا المفهوم داخل واحدة من أهم وزارات الدولة

أما النزاهة فهي ليست كلمة تُكتب في السير الذاتية ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي بل سلوك يومي يختبره المال العام وتختبره القرارات وتختبره طريقة التعامل مع المسؤولية

والمسؤول النزيه هو الذي يدرك أن المنصب لن يدوم لكن أثره في المؤسسة قد يبقى سنوات طويلة

لذلك علينا تقييم أي شخصية تتولى موقعاً مهماً يجب ألا يعتمد على الضجيج الذي يحيط بها، بل على النتائج التي تحققها وعلى قدرتها في الحفاظ على المؤسسة وحماية المال العام وإعلاء قيمة الكفاءة وتحقيق العدالة بين الموظفين وابعاد الحواشي التي تربك عمل المسؤل الطيب واتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة الدولة 

نحن محتاج الى مسؤول يعرف أن الكرسي ليس مكافأة وأن الوظيفة العامة ليست امتياز ولعل 

من أهم الأزمات التي دفعت الدولة ثمناً باهظاً لها خلال العقود الماضية هي وضع أشخاص في مواقع لا تتناسب مع قدراتهم فيما بقيت الكفاءات بعيدة عن مواقع صناعة القرار

ولهذا فإن شعار الرجل المناسب في المكان المناسب يجب ألا يبقى عبارة تردد في الخطب وإنما قاعدة ثابتة في بناء مؤسسات الدولة

ومن الإنصاف أيضاً التأكيد أن الدفاع عن الكفاءات لا يعني تجاوز القانون كما أن تطبيق القانون لا يعني تعطيل الإدارة أو إغلاق أبواب الاجتهاد الإداري المشروع

فالدولة الناجحة هي التي تجمع بين الأمرين احترام النص وتحقيق المصلحة العامة

وحين يلتقي القانون بالكفاءة والنزاهة بالتخطيط والحكمة بالشجاعة في اتخاذ القرار نكون أمام ادارة قادرة على بناء مؤسسة حقيقية

والدكتور عباس العنبوري يقف اليوم أمام مسؤولية كبيرة لكنها في الوقت ذاته فرصة لتقديم انموذج مختلف في الإدارة الحكومية انموذج يجعل من المنصب أمانة ومن التخطيط منهجاً ومن المال العام خطاً أحمر ومن خدمة العراق الهدف الاسمى 

وزارة الخارجية هي واجهة العراق أمام العالم ومن حق العراق أن تكون هذه الواجهة قوية ومتماسكة وأن يقود مفاصلها أشخاص يمتلكون القدرة على الإدارة والحكمة في القرار والنزاهة في المسؤولية

وفي النهاية فان  المناصب لا تصنع الرجال بل الرجال هم من يمنحون المناصب قيمتها

وحين يصبح المسؤول أكثر حرصاً على الدولة من حرصه على موقعه وأكثر خوفاً على المال العام من خوفه على كرسيه عندها فقط نستطيع القول إننا نبني مؤسسات لا تهتز بتغير الأشخاص

وعندما تكون الحكمة عنواناً والنزاهة طريقاً والمصلحة الوطنية غاية يصبح المنصب أمانة لا امتيازاً وتصبح الإدارة فناً في خدمة الدولة كل الشكر الى السيد قاسم الموسوي الذي كان على تواصلا مع صحيفتنا ونقل ماهو صحيح عن الدكتور العنبوري لنا بكل امانة

تعليق

أحدث أقدم

Disqus Shortname

sigma-2

ارسل لنا تعليق

[blogger][disqus][facebook]