
د. فاضل علي، باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية
في وقت لا تزال فيه التطورات المحيطة بإيران تراوح مكانها بفعل الجمود في مسار المحادثات بين طهران وواشنطن، وتصاعد التهديدات المتبادلة، دخلت التطورات الميدانية في اليمن مرحلة جديدة، تمثلت في تفاقم الصراع بين أنصار الله والقوات المدعومة من السعودية، ما أعاد إبراز أهمية مضيق باب المندب وسواحل البحر الأحمر في معادلات المنطقة. وفي ظل هذه الظروف، سعت السعودية إلى تعزيز قدراتها العسكرية، ففي هذا الإطار أعلنت باكستان عن اتفاق مع السعودية وتركيا لتأمين قوات وقدرات عسكرية ضمن إطار "ائتلاف مكة". وأفادت وزارة الخارجية الباكستانية بأن القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها ستنتشر سريعاً داخل المملكة العربية السعودية. وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان أن اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية لـ"ائتلاف مكة" وافقت على تفعيل إجراءات "الردع الجماعي" رداً على هجمات أنصار الله. وبحسبه، اتُخذ هذا القرار خلال اجتماع طارئ، وشدد أعضاء اللجنة على التضامن مع السعودية في مواجهة الهجمات على المملكة. ويأتي دخول باكستان وتركيا إلى هذه الآلية الدفاعية في وقت بدأت فيه الرياض عملية جديدة لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله، وتسعى إلى توسيع نطاق الضغط العسكري على الجماعة. وفي هذا السياق، ادعى موقع "أكسيوس" في تقرير له أن القوات الحكومية اليمنية بدعم من السعودية بدأت عملية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله، وأن من أهداف هذه العملية الرئيسية استعادة السيطرة على مضيق باب المندب، الممر الحيوي للتجارة العالمية وصادرات النفط السعودية. وادعى الموقع أن عشرات الآلاف من القوات البرية الموالية للحكومة اليمنية يشاركون في العملية، وأن الجيش السعودي يتولى بالدرجة الأولى تقديم الدعم الجوي للقوات اليمنية وشن الهجمات على مواقع أنصار الله. وفي المقابل، وفي الوقت ذاته مع بدء عمليات القوات اليمنية بدعم سعودي لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله، أعلنت الجماعة أنها أحبطت تقدم القوات المدعومة من الرياض، واستعادت أجزاء من المناطق التي فقدتها. وفي هذا الصدد، أفاد موقع "دروب سايت" بأن أنصار الله يبدو أنهم أحبطوا تقدم القوات المدعومة من السعودية على ساحل البحر الأحمر في اليمن. كما نشرت قوات أنصار الله مقاطع مصورة من وجودها في "ذباب"، وهي مدينة في محافظة تعز تقع بين مضيق باب المندب ومدينة المخا الساحلية. وكان أنصار الله قد سيطروا على ذباب في منتصف سبتمبر، لكن القوات المدعومة من السعودية ادعت يوم الاثنين أنها استعادت السيطرة على المدينة مجدداً.
ويرى بعض الخبراء أن أهمية ذباب والمناطق المحيطة بها لا تقتصر على التطورات الميدانية. فالشريط الساحلي للمنطقة سهل مفتوح تستطيع فيه المركبات المدرعة الخفيفة التقدم بسرعة بدعم جوي، لكن الثبات في مواقع كهذه أمر صعب. في المقابل، تشرف مرتفعات "الوازعية" على هذا السهل، ومادامت القوات المدعومة من السعودية لا تستطيع السيطرة على هذه المرتفعات، فإن أنصار الله، الذين يملكون قدرة عالية في القتال الجبلي، قادرون على النزول من المرتفعات ودفع القوات المقابلة إلى التراجع عن مواقعها. ومما يُذكر أن أنصار الله، وفق التقارير المنشورة، استعادوا أيضاً مطار ذباب ومنطقة مراد في جبهة باب المندب بجنوب غرب اليمن، وبذلك انقلب جزء كبير من مكاسب القوات المدعومة من السعودية في هذه المنطقة خلال الساعات الماضية. وفي الوقت نفسه، أصبحت المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المدعومة من السعودية في تعز شبه محاصرة من قبل أنصار الله، وقُطعت الطرق المؤدية إلى المدينة.
باب المندب.. محور المعركة الجديدة
ومع ذلك، تتضح أهمية التطورات في تعز أكثر عند النظر إلى موقع المحافظة على خريطة اليمن. فتعز تربط شمال اليمن وجنوبه التاريخيين بالسواحل الغربية للبلاد، وطريق عدن-تعز يُعد أحد الممرات الرئيسية المتبقية لدخول قوات التحالف بقيادة السعودية إلى شمال اليمن. وفي هذا السياق، قالت شيرين العديمي، أستاذة الجامعة الولائية في ميشيغان، مشيرة إلى أهمية هذا الطريق، إن الطرف الذي يسيطر عليه سيتمتع بموقع قوي للغاية، واعتبرت أن السيطرة المحتملة عليه تضاهي في أهميتها السيطرة على باب المندب. وجاء تقدم أنصار الله بعد سيطرتهم على المخا ومضيق باب المندب، وهو ما مكّن الجماعة من الاستيلاء على مواقع مرتفعة تشرف على تعز. ولهذا، لن يكون استعادة السواحل الغربية أو مدينة تعز نفسها أمراً سهلاً بالنسبة للقوات المدعومة من السعودية. ووفق التقارير المنشورة، من جهة أخرى، كثّفت السعودية هجماتها. فقد أفادت مصادر يمنية بشن غارات جوية سعودية على مناطق في محافظة الحديدة، من بينها جزيرة "كمران" ومديرية "الصليف". وأكد تركي المالكي، المتحدث باسم التحالف السعودي، تنفيذ عملية عسكرية في هذه المحافظة، وادعى أنها استهدفت منشآت عسكرية تابعة للحوثيين. كما زعم أن العملية تهدف إلى إحباط خطط لهجمات وشيكة على الممرات المائية في البحر الأحمر، وتدمير مخازن أسلحة وقوارب مفخخة وألغام بحرية. في المقابل، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ ثلاث عمليات ضد أهداف في العمق السعودي. وبحسب بيان تلاه يحيى سريع، المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، فقد استُهدف مطار الملك خالد في الرياض، ومصفاة أرامكو في رابغ، ومطار أبها، وقاعدة خميس مشيط، ومعسكر عاكفة في عسير، ومواقع في نجران وجازان، بصواريخ باليستية وكروز وطائرات مسيّرة. وقد أعلن أنصار الله أن هذه الهجمات جاءت رداً على الغارات الجوية السعودية على صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية.
السعودية تبحث عن حلفاء أكثر
ومع ذلك، لم تُبدِ واشنطن حتى الآن رغبة كبيرة في الدخول المباشر في هذه المواجهات. فقد قال مسؤول أمريكي لقناة "الجزيرة" إن القوات الأمريكية لا تشارك في الحرب في اليمن، وإن الولايات المتحدة ليست لها أهداف خاصة في البلاد، لكن السعودية تستفيد من قدراتها في مجال التزود بالوقود جواً لدعم القوات المناوئة لأنصار الله.
وبحسب هذا المسؤول، يتواجد نحو 200 مستشار أمريكي في مراكز التخطيط في السعودية، ويساعدون القوات السعودية في عمليات الاستهداف. ويأتي هذا الحذر الأمريكي في وقت تطالب فيه المسؤولون السعوديون بمشاركة أمريكية مباشرة أكبر. ووفق تقرير "أكسيوس"، اتصل خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، يوم الخميس الماضي بوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسث، وشرح العمليات المخطط لها، وجدد مطالبته بشن ضربات جوية أمريكية ضد مواقع أنصار الله. مع ذلك، قال مسؤول أمريكي إن واشنطن لن تتخذ إجراءً عسكرياً في الوقت الحالي، رغم أن هذا الموقف قد يتغير في حال واجهت العمليات صعوبات. وفي رده على سؤال حول الهجوم السعودي على أنصار الله، قال ترامب فقط: "كل شيء سيسير على ما يرام."
Post a Comment