د.أحمد الأعرجي
بين صراع الإرادات وحسابات القوة
هل يبقى العراق ساحةً للصراع أم يمتلك شجاعة القرار ليكون دولةً لا ممرّاً للحروب؟
ليست الحروب الكبرى مجرّد صواريخ تعبر السماء ولا جيوش تتحرّك على خرائط النفوذ بل هي صراع إرادات واختبار لقدرة الدول على حماية مصالحها حين تتصادم مشاريع القوى الكبرى .
وما يجري بين الولايات المتحدة وإيران وما قد تفرضه المواجهة من تحوّلات إقليمية لا يمكن قراءته بوصفه خلافاً عابراً بل باعتباره صراعاً تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والقوة العسكرية بحسابات الردع والدبلوماسية بإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة .
وفي خضمّ هذا المشهد يبرز سؤال لا يجوز أن يغيب عن الوعي السياسي العراقي أين يقف العراق من معركة الكبار ؟
وأيّ موقع سيحتلّه إذا تحوّلت المواجهة من ضغط سياسي إلى صدام عسكري مفتوح ؟
إنّ أخطر ما يواجه العراق ليس اندلاع الحرب فحسب بل احتمال أن يجد نفسه في قلبها من دون أن يكون شريكاً في صناعة قرارها أو قادراً على التحكّم بمساراتها .
فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته مع واشنطن وطهران وارتباط اقتصاده بإيرادات النفط يقف أمام معادلة شديدة التعقيد إذ إنّ أيّ تصعيد إقليمي واسع قد ينعكس على أمنه الداخلي واستقراره المالي وحركة التجارة والاستثمار وقدرة حكومته على حماية مصالح شعبه .
اما حيث الجانب السياسي لا يكفي أن يعلن العراق سياسة التوازن ولا أن يكرّر مفردات الحياد كلّما اشتدّت الأزمات .
فالحياد الحقيقي ليس موقفاً لغوياً يُعلَن أمام الكاميرات بل قدرة مؤسساتية على فرض احترام السيادة ، ومنع استخدام الأرض العراقية لتصفية الحسابات وبناء علاقات خارجية تستند إلى المصالح الوطنية لا إلى ضغوط المحاور .
والدولة التي لا تمتلك قرارها المستقلّ مهما رفعت من شعارات ستبقى عرضةً لأن تُحدَّد أدوارها من خارج حدودها .
أمّا اقتصادياً فإنّ العراق يقف أمام اختبار لا يقلّ خطورة عن الاختبار الأمني .
فاعتماده الكبير على النفط يجعله عرضةً لتقلّبات الأسواق واضطراب طرق التصدير وتغيّر حركة الملاحة والطاقة .
وقد تمنح الأزمات النفطية بعض الدول مكاسب مؤقتة لكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة انتصاراً اقتصادياً لأنّ الدولة التي لا تحوّل مواردها إلى إنتاج وفرص عمل وبنية تحتية متينة قد تجد نفسها تدفع ثمن الحرب من استقرارها ومستقبل أجيالها .
وأمنياً تبرز القضية الأكثر حساسية سماء العراق وسيادته الجوية .
فخروج قولت التحالف الدولي لا يعني تلقائياً اكتمال السيادة ما لم يقترن ذلك بقدرة وطنية على مراقبة المجال الجوي وحماية الحدود وتطوير منظومات الدفاع والإنذار المبكر وامتلاك قرار واضح بشأن أيّ انتهاك .
إنّ السيادة لا تُقاس بعدد الجنود الأجانب الذين يغادرون بل بقدرة الدولة على منع أيّ طرف من تجاوز إرادتها .
وحين تتحوّل الأجواء إلى مسارات محتملة للطائرات والصواريخ والعمليات العسكرية يصبح السؤال عن السيادة سؤالاً عن هيبة الدولة ذاتها .
إنّ العراق ليس دولة هامشية في هذه المعادلة فهو يمتلك الموقع والثروات والعمق التاريخي ما يؤهّله لأن يكون جسراً للاستقرار لا ميداناً لتبادل الرسائل النارية .
لكنّ الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ والثروات وحدها لا تحمي الأوطان إنما تصنع ذلك دولة قوية بمؤسساتها متماسكة بقرارها وواعية بأنّ مصلحتها لا تُختزل في انتصار هذا المحور أو هزيمة ذاك .
وفي السياسة لا تكون الحكمة بأن تقف الدولة مع الأقوى بل بأن تعرف كيف تحمي نفسها أمام الأقوياء .
ولا تكون القوة في إطلاق الشعارات بل في امتلاك أدوات الردع ومهارة التفاوض وصلابة القرار حين تُمسّ السيادة .
إنّ المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها العراق ليست معركة واشنطن وطهران بل معركة استعادة الدولة لقرارها وحماية اقتصاده وصون سمائه وأرضه من أن تكونا مستباحَتَين لحسابات الآخرين .
فالتاريخ لا يحفظ للدول مكانتها لأنها كانت قريبةً من المنتصرين بل لأنها عرفت كيف تحافظ على نفسها حين كان الجميع يبحث عن انتصار على حساب الآخرين .
والعراق إن أراد أن يكون رقماً صعباً في معادلة المنطقة فعليه أن ينتقل من سياسة تجنّب العواصف إلى سياسة امتلاك القرار لأنّ الأوطان لا تُحمى بالأمنيات والسيادة لا تُمنح والمكانة لا تُستعار .
فإمّا أن يكون العراق دولةً تقرّر موقعها في خرائط الصراع وإمّا أن يبقى ساحةً تتنازع فوقها القوى فيما يدفع شعبه ثمن معارك لم يخترها .

Post a Comment